اتفاقية 11 آذار 1970: محطة تاريخية في مسيرة المصالحة الوطنية في العراق

مثّلت اتفاقية 11 آذار 1970 بين الحكومة العراقية وثورة ايلول ١٩٦١-١٩٧٥ بقيادة الخالد الملا مصطفى البارزاني نقطة تحول في تاريخ العراق السياسي، حيث جاءت كحل شامل يهدف إلى إنهاء النزاع وتحقيق الحقوق القومية للكرد في إطار الدولة العراقية. الاتفاقية، التي عكست روح المصالحة والتفاهم، كانت خالية من نوازع الحقد والكراهية، رغم التعقيدات السياسية والصراعات الداخلية والخارجية التي سبقتها.
على الرغم من الانشقاقات والصراعات الداخلية بين 1964-1969، والتي أدت إلى انقسام المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني، استطاع البارزاني الخالد الحفاظ على وحدة الثورة وإعادة تنظيمها. تمثّلت هذه الجهود في تشكيل مجلس قيادة الثورة، الذي جمع بين الجناحين العسكري والاجتماعي، وساعده في ذلك مجموعة من القيادات المخلصة التي لعبت دورًا محوريًا في استقرار الأوضاع.
واجهت الثورة الكردية تحديات عديدة، سواء من خلال التدخلات الخارجية أو محاولات إثارة الفتن بين أبناء الشعب عربا و كوردا، بالإضافة إلى المؤامرات التي حاكها حزب البعث ضد الثورة. ورغم ذلك، نجح البارزاني الخالد في منع انتشار الفوضى، رغم ما شهدته تلك الفترة من قمع ضد المدنيين وسفك دم الأبرياء وتعذيب السجناء وأسر عائلات البيشمركة. وعلى الرغم من هذه الضغوط، لم يتحول المشهد إلى صراع طائفي أو ثأر، بفضل التوجيهات الحكيمة للبارزاني الخالد.
كان لكل من المرحوم إدريس البارزاني والرئيس مسعود البارزاني دورًا بارزًا في تنفيذ توجيهات البارزاني الأب، حيث عملا على إدارة العمليات العسكرية والسياسية بفعالية، مع التركيز على المبادئ الإنسانية في التعامل مع الجرحى والأسرى من الجيش العراقي. ويشهد أهالي العديد من المحافظات العراقية، مثل الناصرية والعمارة والبصرة والأنبار والموصل، على هذا النهج الإنساني الذي ميّز تعامل قيادة الثورة مع الأسرى والمدنيين. كما أصدر المرجع الشيعي آنذاك فتوى تحرّم قتال الكرد، مما عزّز مناخ المصالحة الوطنية.
تعد اتفاقية 11 آذار 1970 أحد أبرز الإنجازات السياسية للشعب الكردي، إذ تم الاعتراف بحقوقه القومية ضمن الدولة العراقية. ورغم محاولات بعض الأجنحة داخل حزب البعث إفشال الاتفاقية، إلا أن الرئيس العراقي آنذاك، المرحوم أحمد حسن البكر، لعب دورًا رئيسيًا في تهدئة الأوضاع. كما أدت الاتفاقية إلى تعيين مسؤولين كرد في مناصب حكومية رفيعة، من بينها مناصب رؤساء الوحدات الادارية والمحافظين والوزراء ونواب رئيس الوزراء والجمهورية، مما ساهم في تعزيز المشاركة السياسية.
في عام 1974، أصدرت الحكومة العراقية بيانًا جديدًا يمنح الكرد الحكم الذاتي، مع تخصيص أربيل كعاصمة للإدارة الذاتية، وتم البدء ببناء المؤسسات التشريعية والتنفيذية للحكم الذاتي. غير أن الأوضاع لم تسر وفق الاتفاق، إذ تصاعدت التوترات، ما أدى إلى اندلاع الحرب مجددًا بين الحكومة العراقية والقيادة الكردية.
تشكل اتفاقية 11 آذار نموذجًا يمكن الاستفادة منه في تعزيز المصالحة الوطنية وترسيخ السلام في العراق والمنطقة. لذا، من الضروري أن يقوم الباحثون ومراكز الدراسات في العراق وإيران وتركيا بدراسة هذه التجربة من مختلف الجوانب، لتكون درسًا للأجيال القادمة في كيفية تحقيق السلام والاستقرار بعيدًا عن الصراعات السياسية التي استنزفت شعوب المنطقة.
لقد أثبت التاريخ أن السياسة الخاطئة والشعارات الشوفينية لا تؤدي إلا إلى المزيد من الدمار، كما شهدنا في العراق وبلدان أخرى مثل اليمن ولبنان وفلسطين وسوريا. وعليه، فإن استلهام الدروس من اتفاقية 11 آذار والجهود التي بُذلت لتحقيق السلام يمكن أن يكون خطوة نحو مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة في المنطقة.