الموظف والآلة: حين تتحول الوظيفة العامة إلى قفص للذات

احمد العتبي:لطالما أُلصِق الأمان بالوظيفة العامة، وهي في الوعي الجمعي الملاذ الآمن من تقلبات السوق وغدر الأيام. لكن، خلف هذا الستار من الاستقرار المادي، تقبع مأساة صامتة تمسّ جوهر الكيان الإنساني. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن كفاءة النظام الإداري، بل عن الثمن الوجودي الذي يدفعه الفرد مقابل هذا الاستقرار. كيف تشوه الوظيفة العامة الذات؟ وكيف ننجو بوجوهنا الحقيقية من براثِن القالب البيروقراطي؟

فبراير 26, 2026 - 03:25
الموظف والآلة: حين تتحول الوظيفة العامة إلى قفص للذات

مقال بقلم: احمد العتبي

::::

::::

أولاً: ملامح التشويه: ذوبان الفردانية في الدور الوظيفي
تبدأ رحلة التشوّه من اللحظة التي يرتدي فيها الموظف "المسمّى الوظيفي". في ذلك العالم، لا يهمّ من أنت، ما هي مواهبك، أو ما هي أحلامك؛ المهم هو ما يمليه "الوصف الوظيفي". 

إنها عملية إحلالٍ تدريجيةٍ يُصبح فيها الختم الرسميّ أصواتنا، ونماذجُ الكتبِ والأوامرِ الإدارية جلودَنا. يجد الإنسان نفسه مضطراً لقمعِ أجزاء كبيرة من شخصيته ليتناسبَ مع القالب الضيق للمكتب، وهو ما صوره "فرانز كافكا" ببراعة في روايته "المحاكمة"، حيث يغرقُ الإنسانُ في دهاليزٍ قانونيةٍ وإدارية تسلُبه هويته قبل أن تسلبه حريته، إذ يوقَفُ الموظف البطلُ في صباح يوم عيد ميلاده الثلاثين، والرجل هو أمين الصندوق الرئيس لأحد البنوك، بشكل غير متوقع من قبل عميلين مجهولين من وكالة غير محددة بسبب ارتكابه جريمةً ما، لم تحددها الرواية..

هذا التنازلُ المستمرّ يؤدي إلى الاغتراب الوظيفي، حيث تعلو سيادة النصّ على سيادة العقل. في ممرات الدوائر الرسمية، لا يُقاس العمر بالسنوات، بل بعددِ الأوراق التي وقعناها. يتحول الموظف إلى مُنفّذٍ آلي للأوامر، تماماً كما في رواية "حضرة المحترم" لنجيب محفوظ، حيث نرى كيف يلتهمُ الطموح الوظيفيّ والدرجة المالية عمر الإنسان حتى لا يبقى منه سوى مكانته الوظيفية.
كتب نجيب محفوظ هذه الرواية، التي أنصحُ بشِدّةٍ بقراءتها، بعد قضائه سبعاً وثلاثين سنة من الخدمة لدى الدولة، وقد مكّنت هذه الخدمة الطويلةُ الرجلَ من اقتباس الكثير من أحداث رواياته، وابتكار شخصياتها. وهذه الرواية بالذات تصل إلى أقصى حالة من تجسيد نفسية الموظفين وملامح واقعهم اليومي، بخاصة في بطلها الرئيسي "عثمان بيومي" الذي ضحّى بكل ما يمكنه منحَ حياته المعنى من أجل الوظيفة، ضحّى بالحبّ، وبالحياة الأسريّة الجميلة، وحتى بصحته، في سبيل الوظيفة التي انصهر فيها حتى ذابت روحه تماماً، ووصلهُ اخيراً خبرُ ترقيته إلى "مدير عام" وهو على فراش الموت، وكلّ ما حصل عليه قبرٌ تمرّ عليه أشعة الشمس، وامرأتان، إحداهما مدمنة، والثانية موظفةٌ صغيرةٌ طمّاعةٌ تصغرُه عمراً.

ثانياً: فخ الأمان والارتقاء الساكن
إن الوظيفة العامة هي القفص الذهبي الذي نبيع فيه أجنحتنا مقابل ضمان حبوب العلَف. هذا الأمان المطلق يخلقُ حالةً من الركود النفسي؛ فتعلّم المهارات الجديدة يصبح عبئاً، والإبداع يصبح مخالفة. 

إنّ الذاتَ التي لا تنمو هي ذاتٌ تتشوه بفعل الصدأ. وكما في "أسطورة سيزيف" لألبير كامو، يجد الموظف نفسه يدفع صخرة الروتين يومياً للأعلى لتسقط في المساء، ويعيد الكرة في الصباح التالي بلا جدوى حقيقية تلمس روحه.

ثالثاً: دليل المقاومة.. كيف تحمي ذاتك من التآكل؟
لكي لا يلتصق القناع الرسمي بوجهك للأبد، عليك تبني استراتيجيات المقاومة الذاتية:

- الفصلُ المقدّس: اجعل للموظف بداخلك اسماً تقنياً، واحتفظ باسمك الحقيقي للأشياء التي تحبها. بمجرد خروجك من المؤسسة، غيّر لغة جسدك ونبرة صوتك؛ لا تنقل هيبة المكتب المصطنعة إلى حياتك الخاصة.

- مشاريع الظل: اجعل الوظيفة ممولاً لأحلامك لا مقبرةً لها. خصص ساعة يومياً لهواية أو مهارة لا سلطة للمدير عليها. هذه هي منطقتك المحرّرة.

- الاستثمار في الكفاءة لا في المرتبة: تعلم مهارات مطلوبة في السوق الحرّ حتى لو لم تكن تحتاجها حالياً. هذا يمنحك شعوراً بالاستغناء، وهو أقوى سلاح ضد التآكل النفسي؛ لأنك ستعلم أنك موجود بفضل قيمتك كإنسان، لا بفضل الكرسي الذي تجلس عليه.

- توسيع الفقاعة: لا تجعل أصدقاء العمل هم دائرتك الوحيدة. الاختلاط بمبدعين وفنانين وحرفيين يكسر الجمود البيروقراطي ويذكرك بأن العالم أرحبُ وأجملُ من تعميمٍ إداري.

العودة إلى الإنسان:
إن تشويه الذات في الوظيفة العامة ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة الاستسلام الكلّي للماكينة. اقرأ "المعطف" لغوغول لتدركَ بشاعةَ أن تختصرَ حياتك في شيءٍ ماديٍّ أو وظيفيّ، وتذكر دائماً: تعامل مع الوظيفة كأنها عقدُ إيجارٍ لزمنك، لا عقدُ بيعٍ "فاوستيّ" لروحِك.

الوظيفة العامة يجب أن تكون وسيلةً لخدمة المجتمع، لا مقبرةً للهوية. فإذا سمحنا للختم أن يكونَ لساننا، وللملف الشخصيّ أن يكون خيالَنا، سنستيقظ يوماً لنجد أننا حققنا الأمان الوظيفي لكننا خسرنا وجودَنا الإنساني.

ملاحظة: المقالُ أدبيٌّ عام، لايمتّ بأيّ صلة لواقعي ولوجودي الوظيفي وحياتي الشخصية.

::::

::::

احمد العتبي مؤلف وروائ وناقد سينمائي عراقي ، صدرت له روايتا: وردي ويقين،