اليابان تنقب عن المعادن النادرة في قاع المحيط الهادئ

احمد مصطفى: تعد اليابان من أكبر دول العالم استهلاكاً لمعادن الأرض النادرة وتأتي في المرتبة الثانية بعد الصين، لكن بكين تهيمن على السوق العالمية لتلك المعادن وسلاسل الإمداد والتوريد لها.

فبراير 26, 2026 - 05:09
اليابان تنقب عن المعادن النادرة في قاع المحيط الهادئ

ثمة اعتقاد راسخ لعقود أن المياه العميقة للبحار والمحيطات تحوي احتياطات من النفط والغاز، وتنتشر الحقول البحرية قرب شواطئ أكثر من بلد، سواء كانت في المياه القريبة من الشواطئ حيث العمق ليس كبيراً، أو في المياه العميقة كما في خليج المكسيك، حيث أكبر إنتاج للطاقة في الولايات المتحدة.

لكن خلال الأعوام الأخيرة، ومع ما يبدو من استنفاد احتياطات المواد الأولية على الأرض، بدأت الدراسات حول ما قد يحويه قاع المحيطات من معادن، ومع زيادة الإقبال على شراء الذهب كملاذ آمن وارتفاع أسعاره قبل عامين، بدأ الحديث عن إمكان وجود احتياطات هائلة من المعدن الثمين في قاع المحيطات، إلا أن تعدينه سيكون بكلفة عالية جداً ربما تجعل استخراجه أمراً غير اقتصادي بالمرة.

أما الجديد فهو ما أعلنته اليابان حول عزمها التنقيب عن المعادن النادرة في قاع المحيط الهادئ لتوفير حاجاتها منها في ظل هيمنة الصين على الإنتاج العالمي منها ومعالجتها، مع أن اليابان هو البلد الذي يحتفظ بأكبر مخزون من المعادن النادرة منذ عقد ونصف العقد، لكن رئيسة الوزراء اليمينية الجديدة ساناي تاكايشي بتصعيدها الخلافات مع الصين، تريد ألا تعتمد اليابان على استيراد المعادن النادرة التي تدخل في معظم الصناعات الحيوية وحتى العسكرية مثل الصواريخ وأنظمة الرادار والطائرات المسيرة.

اكتشافات يابانية

وأعلنت طوكيو هذا الشهر أنها انتشلت طمياً غنياً بمعادن الأرض النادرة من نقطة بعيدة في قاع المحيط الهادئ على عمق 6 آلاف متر، وهو عمق يزيد على ارتفاع قمة جبل فوجي العالية، وأعلنت اليابان كذلك عام 2011 اكتشاف موارد طبيعية في المحيط حول مجموعة الجزر الصغيرة ميناميتوريشيما، وهي جزء من المنطقة الاقتصادية الحصرية لليابان، وتقع على بعد 1900 كيلومتر جنوب شرقي طوكيو.

واكتسبت جهود التنقيب عن المعادن النادرة أهمية وإلحاحاً الآن بعد إعلان الصين الشهر الماضي تشديد القيود على صادراتها إلى اليابان بسبب تصاعد الخلافات بين طوكيو وبكين، وذلك إثر تصريحات عدائية من تاكايشي تتعلق بشبه جزيرة تايوان، وإن كانت الخلافات بين الصين واليابان حول ترسيم الحدود البحرية تعود لأعوام، وحين فرضت الصين شبه حظر بصورة غير رسمية على مبيعات معادن الأرض النادرة لليابان عام 2010 إثر الخلافات الحدودية البحرية، اضطرت اليابان إلى تكديس مخزون منها، وفي الوقت ذاته محاولة تنويع مصادر إمداداتها، ومولت اليابان شركة التعدين الأسترالية "لايناس" لهذا الغرض تحديداً.

وتُعد اليابان من أكبر دول العالم استهلاكاً لمعادن الأرض النادرة وتأتي في المرتبة الثانية بعد الصين، لكن بكين تهيمن على السوق العالمية لتلك المعادن وسلاسل الإمداد والتوريد لها، إذ تنتج الصين أكثر من 60 في المئة من تلك المعادن وتقوم بمعالجة أكثر من 90 في المئة من الإنتاج العالمي منها.

تحالفات جديدة

ومنذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للبيت الأبيض مطلع العام الماضي وهو يتهم بكين باستخدام هيمنتها على معادن الأرض النادرة كسلاح في الصراع مع الغرب.

وتعمل الإدارة الأميركية مع بعض الحلفاء، مثل الاتحاد الأوروبي، على تكوين سلاسل إمداد وتوريد للمعادن النادرة تلتف على الهيمنة الصينية، ومع صعود رئيسة الوزراء اليابانية الجديدة الآن فستكون طوكيو جزءاً من ذلك التحالف المزمع.

ووصفت ساناي تاكايشي الاكتشاف الجديد في قاع المحيط الهادئ بأنه "خطوة أولى على طريق تصنيع معادن الأرض النادرة المنتجة محلياً"، وكانت رئيسة الوزراء قالت في مقابلة إذاعية هذا الشهر إنها تنوي أن تطلب من الولايات المتحدة الانضمام إلى مشروع أرخبيل ميناميتوريشيما حين تلتقي الرئيس ترمب الشهر المقبل، مضيفة "نريد من الولايات المتحدة أن تشاركنا لتسريع العمل في المشروع".

تحديات وطموحات

وتواجه عمليات التنقيب والاستخراج المحتمل للمعادن من قاع المحيطات تحديات كبيرة، لكن بالنسبة إلى اليابان وفي ظل حكومة يمينية، فربما لا تهم الكلفة بقدر ما يهمها تأمين الحاجات للمعادن المستخدمة في بطاريات السيارات الكهربائية والصناعات العسكرية، ويحذر بعض الخبراء من الكلفة الباهظة للتعدين من قاع المحيط والذي قد يجعل الأمر صعباً اقتصادياً، وكذلك فإن أنصار البيئة بدأوا يثيرون المخاوف من التأثير الضار للتعدين قاع المحيط في النظام البيئي البحري، إلا أن المسؤولين اليابانيين يعتقدون أن التعدين في قاع المحيط قد يصبح منافساً حقيقياً للتعدين على سطح الأرض، بخاصة أن قاع المحيط ربما يحوي ترسبات من معادن ثقيلة مثل الـ "ديسبروسيوم" والـ "يتريوم" والـ "تربيوم" التي تكاد تحتكر الصين إنتاجها وتشغيلها.

ويحتاج الاستخراج من مشروع ميناميتوريشيما بصورة اقتصادية إلى أعوام، وتنقل صحيفة "فايننشال تايمز" عن مسؤول رئاسة الوزراء في اليابان، شويشي إيشي، والذي ترأس المشروع لسبعة أعوام، قوله إن استخراج الطمي سيبدأ العام المقبل وسيكون بمعدل 350 طناً من طمي قاع المحيط يومياً، بما يسمح للعلماء والخبراء بتقييم مدى اقتصادية عملية استخراج الطمي وتجفيفه على الجزر، ثم نقله بعد ذلك إلى اليابان لتكريره وفصل المعادن، وعلى أي حال فلن يصبح المشروع فاعلاً قبل عام 2028.

ويشكك بعض الاقتصاديين والعلماء في مسألة التعدين تحت الضغط الهائل لقاع المحيط، والذي يوجد على عمق أكثر من ضعف أعمق حقل نفط بحري، إضافة إلى الكلفة العالية للمشروع الذي أُنفق على مرحلة الاستكشاف فيه حتى الآن 40 مليار ين ياباني (255 مليون دولار).

مزيد من التعدين

يشير كثر إلى أن إعلان اليابان اكتشاف معادن الأرض النادرة في قاع المحيط الهادئ قد لا يتجاوز "التجربة الأكاديمية"، وأنه مفيد من الناحية الدبلوماسية في المواجهة مع الصين أكثر من جدواه الاقتصادية، ومع ذلك فإن التجربة اليابانية قد تكون مقدماً لمزيد من محاولات التعدين في قاع المحيطات، إذ إن هناك دراسات مبدئية تشير إلى أن قاع المحيطات ربما يحوي احتياطات من الذهب تصل إلى 20 مليون طن متري، توجد معظمها في مواقع قرب فتحات الانفجارات الحرارية أو نحو الشواطئ نتيجة ترسبات، وبعضها في طمي قاع المحيطات والبحار وبعضها ذائب في الماء، ويُذكر أن الاحتياطات المعروفة من الذهب غير المستخرجة في الأرض لا تزيد على 64 ألف طن متري، بينما يبلغ حجم الذهب المستخرج والمتداول عالمياً 52 ألف طن متري.

وعلى رغم الكلفة الاقتصادية العالية للتعدين من قاع المحيطات لكن إذا توافرت الاستثمارات والإرادة السياسية فيمكن على المدى الطويل أن تصبح عملية ذات جدوى اقتصادية، بخاصة إذا نجحت اليابان في استخراج معادن الأرض النادرة بكميات اقتصادية، وربما يشجع ذلك آخرين على استكشاف واستخراج معادن أخرى مثل الذهب وغيره.