7 خيارات أمام أميركا لمعاقبة بريطانيا على حرب إيران
بهاء العوام
تبدو العلاقات بين لندن وواشنطن ماضية نحو مزيد من التوتر على خلفية موقف حكومة كير ستارمر إزاء الحرب على إيران، فمنذ تفجر الصراع في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، تصر المملكة المتحدة على عدم الدخول فيه بصورة مباشرة، كذلك مارست نوعاً من التدقيق والرقابة على استخدامات القوات الأميركية للقواعد العسكرية البريطانية في تلك الحرب.
حتى بعد الهدنة التي أرسيت بين الولايات المتحدة وإيران منذ أسبوع، لا يبدو الرئيس دونالد ترمب مستعداً لتجاوز ما سماه "الخذلان" الذي وجدته أميركا من حليفها البريطاني التاريخي في أحدث صراعات الشرق الأوسط، ولا يخفي ترمب انزعاجه إزاء تعامل كير ستارمر مع الحرب، وينظر في مجموعة خيارات يعاقب عبرها رئيس وزراء المملكة المتحدة.
ثمة من توقع إلغاء ترمب لزيارة الملك تشارلز الثالث المقررة إلى الولايات المتحدة في الـ27 من أبريل (نيسان) الجاري، ولكن الرئيس الأميركي قال إن علاقات جيدة جداً تربطه بالملك البريطاني، والأخير لا شأن له في السياسة التي مارسها ستارمر إزاء حرب إيران، وسقوط هذا الخيار يضعنا أمام سبعة احتمالات أخرى يمكن أن يضغط فيها البيت الأبيض على لندن.
الاحتمال الأول هو إلغاء الاتفاق الاقتصادي الذي أبرمته الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في مايو (أيار) عام 2025، إذ يقول ترمب إن إعادة النظر في الاتفاق ليست أمراً مستبعداً، وإن حدث هذا فإن الاقتصاد البريطاني سيتعرض لهزة تزيد أعباءه التي تتراكم منذ "بريكست" وبعدها جائحة كورونا ومن ثم الحرب الأوكرانية وتلتها أزمات الشرق الأوسط.
وتجنبت بريطانيا في ذلك الاتفاق ارتدادات كثيرة لحرب ترمب الجمركية على دول العالم خلال عامه الأول في السلطة، وهو لم يكتمل ويتحول إلى اتفاق تجارة حرة كامل الأبعاد كما تشتهي حكومة كير ستارمر، ولكنه أسس لقاعدة متينة في المفاوضات التجارية بين البلدين، وشجع دولاً مختلفة على مزيد من الانفتاح الاقتصادي على المملكة المتحدة.
الخيار الثاني يتمثل في سحب ترمب للأصول العسكرية الأميركية عتاداً وأفراداً، من قواعد في المملكة المتحدة مثل "لاكينهيث" و"ميلدنهال"، ونقلها إلى دول أكثر دعماً للولايات المتحدة مثل بولندا أو رومانيا في قارة أوروبا، ما من شأنه أن يضعف الوضع الأمني البريطاني، ويلحق ضرراً بالغاً بالاقتصادات المحلية للمدن والمناطق التي تحيط بتلك القواعد.
وتعمل القوات الأميركية في بريطانيا عبر ما يقارب 22 قاعدة، وتبلغ قيمة الاستثمارات فيها نحو 11 مليار جنيه استرليني، وهذه القواعد تحفز الإنفاق المحلي وتدعم وظائف الدفاع عالية القيمة وترسي البنية التحتية العسكرية الحيوية، على رغم أن دورها المباشر في الناتج المحلي الإجمالي الوطني ضئيل نسبياً مقارنة بقطاعات أخرى وفق تقارير مختصة.
وفي السياق ذاته يمكن للولايات المتحدة فرض رسوم جمركية "عقابية" مرتبطة بالحرب على إيران، وقد طرح البيت الأبيض بالفعل فرض رسوم جمركية تصل إلى 50 في المئة على الدول "غير المتعاونة" في تلك الأزمة، ومثل هذا الإجراء يجعل المملكة المتحدة بمثابة خصم تجاري لأميركا، ويضع قطاعات اقتصادية مختلفة في بريطانيا تحت ضغط كبير.
وبلغت قيمة واردات الولايات المتحدة من السلع البريطانية نحو 65 مليار دولار عام 2025، وأهم هذه السلع كانت الآلات والسيارات والأدوية، ويُعد إجمال التجارة كبيراً على رغم أن الرسوم الجمركية الأميركية الأخيرة (بما فيها رسوم إضافية بـ 10 في المئة على بعض السلع اعتباراً من أوائل 2026) قد تسببت في إرباك هذا القطاع.
على سبيل العقاب أيضاً، قد تلجأ واشنطن إلى تقييد وصول لندن إلى معلومات تحالف "العيون الخمس" الذي يجمع أميركا مع بريطانيا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا، ومن شأن أي تأخير أو قيود على الاستخبارات اللاسلكية وبيانات الأقمار الاصطناعية التي يوفرها التحالف أن يعرض عمليات المملكة المتحدة للخطر في المناطق المضطربة.
ويتبادل أعضاء التحالف البيانات الحساسة يومياً عبر شبكة مغلقة لا تخضع لأية رقابة دولية، ويعمل التحالف ضمن بنية هرمية تُقسّم إلى ثلاث دوائر من التعاون، فتتيح الأولى إطلاع الأعضاء على عمل منظومة الاستخبارات الأميركية، بينما تضم الثانية أجهزة الدول الأربع الأخرى، وبعدها الدائرة الثالثة التي تجمع حلفاء غير أعضاء في التحالف مثل فرنسا وألمانيا.
في الاحتمال الخامس يمكن لأميركا استبعاد بريطانيا من اتفاقات أمن الطاقة بعد انتهاء حرب إيران، فمع تعرض مضيق هرمز للتهديد، تمنح الولايات المتحدة الأولوية في الحماية البحرية لحلفائها، وهنا قد تضطر المملكة المتحدة إلى تأمين طرق الشحن الخاصة بها بكلفة كبيرة، حيث ستواجه أقساط تأمين أعلى بكثير لأن مواردها البحرية في الحماية محدودة.
وتدرك حكومة ستارمر خطورة هذه المسألة، لذا تعمل بريطانيا مع فرنسا على تشكيل تحالف دولي يوفر الحماية التجارية المطلوبة للناقلات والسفن التي تعبر مضيق هرمز محملة بموارد الطاقة وسلع استراتيجية أخرى، والخطة التي عقدت لندن قمة جمعت عشرات الدول من أجل بحثها أخيراً، لن تدخل حيز التنفيذ إلا بعد أن تضع حرب أميركا وإيران أوزارها.
وفي الخيار السادس، قد تلجأ واشنطن إلى تعليق دعمها الفني لمشاريع الدفاع المشتركة مع المملكة المتحدة، والمشكلة أن هذه البرامج تعتمد بصورة كبيرة على التكنولوجيا الأميركية، وسيؤدي إبطاء أو وقف التراخيص ونقل البيانات عبر هذه البرامج إلى تعطيل تحديث الجيش البريطاني، وهو أصلاً يعاني تأخراً في تطوير قدراته نتيجة لشح الموازنات.
ومن أهم برامج الدفاع المشتركة تطوير المقاتلة "أف- 35 بي" الذي انضمت إليه لندن مطلع الألفية، وعام 2018 دخلت المقاتلة الحديثة الخدمة ضمن سلاح الجو البريطاني، إضافة إلى مشروع "أوكوس" الذي يجمع البلدين مع أستراليا، لتطوير تقنيات دفاعية متقدمة وإنتاج غواصات هجومية تعمل بالطاقة النووية في إطار مواجهة نفوذ بكين ببحر الصين.
أما الخيار السابع والأخير، فيمكن أن يكون "التهميش الدبلوماسي الاستراتيجي"، فتمضي الولايات المتحدة إلى تعزيز علاقاتها مع القادة الأوروبيين الأكثر توافقاً معها، وتستبعد المملكة المتحدة من عمليات التخطيط رفيعة المستوى، ومن شأن هذا التحول أن يقوض نفوذ بريطانيا داخل "الناتو" وخارجه، ويجعلها شريكاً ثانوياً بدلاً من حليف رئيس لواشنطن.
قد يبدو هذا الخيار أكثر سلمية بالنسبة إلى البريطانيين، ولكن ضرره يفوق كل الاحتمالات الأخرى، بخاصة على المدى الطويل. أدركت المملكة المتحدة خطر هذا التوجه ووجدت ضالتها في تعميق تحالفها وعلاقاتها مع القارة العجوز، لكن الطريق إلى جبهة أوروبية صلبة تعوض الحليف الأميركي ليست معبدة، ولن تتبلور بين ليلة وضحاها لأسباب عدة.