عن سيرة الزعيم مصطفى بارزاني في ذكراه...*

د هوشيار مظفر علي امين ( جامعة صلاح الدين)

مارس 14, 2026 - 05:56
مارس 14, 2026 - 05:58
عن سيرة الزعيم مصطفى بارزاني في ذكراه...*

"مؤسس الحزب والزعيم الروحي لشعب كوردستان، وكل الأبطال والثوار والبيشمركةالصناديد الذين قدموا أرواحهم بإخلاص في سبيل الحرية لكوردستان"

نيجيرفان بارزاني

::::

::::

(1)

سيرة الزعيم مصطفى بارزاني ليست مجرد فصل من فصول التاريخ الكردي الحديث، بل هي مسار طويل من التحولات السياسية والعسكرية التي رافقت تشكل الشرق الاوسط في القرن العشرين، فالرجل الذي ولد في مطلع ذلك القرن عاش جميع انعطافاته الكبرى، من افول السلطنة العثمانية الى قيام الدول الوطنية، ومن صراعات ما بعد الحرب العالمية الثانية الى تشابكات الحرب الباردة، ولذلك فان دراسة حياته لا يمكن ان تكون مجرد سرد لسيرة شخصية، بل قراءة لتاريخ منطقة كاملة كانت تعيد تشكيل نفسها في ظل صراعات الهوية والسلطة والمصالح الدولية.

ولقد شكلت شخصية بارزاني مزيجا نادرا بين القائد العسكري والزعيم الاجتماعي والسياسي، فقد كان ابن بيئة جبلية اعتادت المقاومة، لكنه في الوقت نفسه اكتسب خبرة سياسية عميقة عبر عقود من المواجهة مع الحكومات المتعاقبة، ومع القوى الاقليمية والدولية التي كانت تتقاطع مصالحها فوق الجغرافيا الكردية، ولذلك فإن فهم سيرته يتطلب النظر اليه بوصفه نتاجا لمرحلة تاريخية مضطربة، لا مجرد شخصية فردية تحركت بمعزل عن سياقها التاريخي.

ولد مصطفى بارزاني عام 1903 في منطقة بارزان ، وهي منطقة جبلية اكتسبت سمعة طويلة في التمرد على السلطات المركزية منذ العهد العثماني، وقد نشأ في اسرة دينية وزعامية في الوقت نفسه، إذ كانت عائلته تجمع بين النفوذ الروحي والاجتماعي داخل المجتمع الكردي المحلي، وهو ما منحها موقعا قياديا في مواجهة السلطة العثمانية، وقد كان اخوه الشيخ عبد السلام  من ابرز قادة الانتفاضات الكردية ضد العثمانيين، وانتهت تلك المواجهة بإعدامه عام 1914، وهو حدث ترك اثرا عميقا في الذاكرة العائلية وفي شخصية مصطفى نفسه.

ولم تكن طفولة الزعيم مصطفى طفولة مستقرة، فقد نشأ في بيئة من الاضطرابات والانتفاضات والنفي، وتعرض منذ سنواته الاولى لازمات القمع والتهجير، إذ قامت السلطات العثمانية ثم لاحقا السلطات العراقية بنفي عائلته اكثر من مرة بسبب دورها في قيادة التمردات، وقد اسهمت تلك التجارب المبكرة في تشكيل وعيه السياسي المبكر، حيث ادرك منذ صغره ان الصراع مع السلطة المركزية ليس حادثة عابرة بل حالة مستمرة في تاريخ المنطقة.

وبعد انهيار الدولة العثمانية وقيام الدولة العراقية الحديثة تحت الانتداب البريطاني، دخلت الحركة الكردية مرحلة جديدة من الصراع، فقد وجد الكرد انفسهم داخل كيان سياسي لم تتحقق فيه طموحاتهم القومية، وبرزت في تلك المرحلة عدة حركات تمرد محلية من اهمهن حركة محمود الحفيد، وكان مصطفى بارزاني شابا يشارك تدريجيا في تلك المواجهات، مكتسبا خبرة عسكرية وتنظيمية مهدت لظهوره لاحقا بوصفه قائدا بارزا في الحركة الكردية.

خلال ثلاثينيات القرن العشرين بدأت ملامح قيادته تتبلور بوضوح، فقد شارك في الانتفاضات التي قادها شيوخ بارزان ضد الحكومة العراقية، وهو ما ارشفه وارخه وحلله الزعيم مسعود بارزاني في كتابه الضخم:" مصطفى بارزاني" باجزائه الوثائقية، وتمكن الزعيم مصطفى بارزاني  من اكتساب سمعة واسعة بين المقاتلين الكرد بوصفه قائدا ميدانيا يتمتع بالشجاعة والانضباط، غير ان تلك الانتفاضات انتهت في الغالب بحملات عسكرية حكومية اجبرت الزعيم واتباعه على اللجوء الى ايران او العودة الى الجبال، وهو نمط من الصراع سيتكرر لاحقا في مسيرته السياسية.

(2)

غير ان التحول الاكبر في حياته جاء في منتصف الاربعينيات مع قيام جمهورية مهاباد الكردية في ايران عام 1946، وهي اول تجربة حديثة لإقامة كيان سياسي كردي مستقل نسبيا، وقد لعب بارزاني دورا بارزا في تلك التجربة عندما تولى قيادة القوات العسكرية للجمهورية، جنرالا وقائدا، واصبح احد اعمدتها الاساسية، وقد نظر كثير من الكرد الى تلك الجمهورية بوصفها بداية تحقيق حلم قومي طال انتظاره.

لكن تلك التجربة لم تعمر طويلا، فالتوازنات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن تسمح بقيام كيان كردي مستقل، وقد انسحب الدعم السوفيتي الذي كان يوفر حماية غير مباشرة للجمهورية، فدخلت القوات الايرانية مدينة مهاباد عام 1947 وانتهت التجربة بإعدام رئيس الجمهورية قاضي محمد وعدد من قادتها، بينما اضطر الزعيم مع قواته الى الانسحاب شمالا في رحلة شاقة عبر الجبال.

شكلت تلك الرحلة واحدة من اشهر فصول التاريخ الكردي المعاصر، فقد قاد بارزاني مئات المقاتلين في مسيرة طويلة عبر مناطق وعرة حتى وصلوا الى الاتحاد السوفيتي، حيث قضوا سنوات من المنفى، وقد استمرت اقامته هناك اكثر من عقد من الزمن، وهي فترة غالبا ما يجري التقليل من اهميتها في الدراسات التاريخية، رغم انها كانت مرحلة تكوين فكري وسياسي عميق بالنسبة له.

وفي الاتحاد السوفيتي عاش الزعبم تجربة مختلفة تماما عن حياته الجبلية السابقة، فقد احتك بمجتمع سياسي وتنظيمي متطور، واطلع على نماذج مختلفة من التنظيم الحزبي والعسكري، كما اتيح له التواصل مع شخصيات سياسية وعسكرية من دول مختلفة، وقد اسهم ذلك في توسيع افقه السياسي، وجعله اكثر وعيا بطبيعة الصراعات الدولية التي تؤثر في القضية الكردية.

عاد الزعيم الى العراق عام 1958 بعد قيام ثورة تموز التي اسقطت النظام الملكي، وقد استقبله  عبد الكريم قاسم في بغداد باعتباره حليفا محتملا في بناء عراق جديد، وفي تلك المرحلة بدا ان صفحة جديدة قد فتحت بين الحركة الكردية والحكومة المركزية، حيث جرى الاعتراف بالكرد بوصفهم شركاء في الوطن، غير ان ذلك الانسجام لم يدم طويلا بسبب الخلافات حول طبيعة الحكم الذاتي وموقع الحركة الكردية في النظام السياسي الجديد وظلم المركز لكردستان.

وفي ايلول عام 1961 اندلعت الثورة الكردية الكبرى بقيادة بارزاني، وهي الثورة التي استمرت نحو اربعة عشر عاما، وشكلت اطول واكثر الصراعات تنظيما بين الحركة الكردية والدولة العراقية، وقد تمكن خلالها من الحصول على انتصارات متوالية ومتتالية، كما عمل على توسيع القاعدة السياسية للحركة الكردية داخل المجتمع الكردي نفسه.

تميزت قيادة بارزاني لتلك الثورة بقدر كبير من الواقعية السياسية، فهو لم يكن قائدا يعتمد السلاح وحده، بل كان يدرك ان الصراع مع دولة دكتاتورية مركزية قوية يتطلب الجمع بين العمل العسكري والعمل السياسي، ولذلك حافظ على قنوات اتصال مع الحكومات العراقية المتعاقبة، كما سعى في الوقت نفسه الى كسب تعاطف دولي مع القضية الكردية.

وفي عام 1970 وصلت المفاوضات بينه وبين الحكومة العراقية الى اتفاق تاريخي يقضي بمنح الحكم الذاتي لكردستان، وقد اعتبر ذلك الاتفاق في حينه خطوة مهمة نحو الاعتراف الرسمي بالحقوق القومية للكرد داخل العراق، غير ان تطبيقه واجه صعوبات كبيرة بسبب الخلافات حول الحدود الادارية للمناطق الكردية، وخاصة مسألة مدينة كركوك التي كانت تمثل مركزا اقتصاديا وسياسيا بالغ الاهمية.

كان موقف الزعيم وحزبه من كركوك حاسما، فقد اعتبرها جزءا لا يتجزأ من كردستان التاريخية، ورأى ان اي تسوية سياسية لا تعالج وضعها لن تكون حلا دائما للقضية الكردية في العراق، ولذلك بقيت هذه المسألة احد اهم مصادر التوتر بين الحركة الكردية والحكومة المركزية خلال تلك السنوات وقد حاول نظام البعث اغتياله عدة مرات.

الى جانب الصراع  المأزوم، كان الزعيم يتحرك ايضا ضمن شبكة معقدة من العلاقات الاقليمية والدولية، فقد حاول الاستفادة من التناقضات بين القوى الكبرى في زمن الحرب الباردة، كما نسج علاقات مع دول الجوار التي كانت ترى في الحركة الكردية ورقة ضغط في صراعاتها مع بغداد، غير ان هذه العلاقات كانت دائما محكومة بحسابات المصالح المتغيرة.

وقد ظهر ذلك بوضوح في عام 1975 عندما انهارت الثورة الكردية فجأة بعد توقيع اتفاق الجزائر بين العراق وايران، وهو الاتفاق الذي تضمن تسوية الخلافات الحدودية بين البلدين مقابل وقف الدعم  للحركة الكردية، كما تزامن ذلك مع توقف الدعم غير المباشر الذي كانت تقدمه الولايات المتحدة، فوجدت قوات بارزاني وبيشمركته وحزبه،  نفسها فجأة دون سند اقليمي ولادولي وهو مااعترف له كيسنجر في مذكراته.

كانت تلك اللحظة من اكثر اللحظات قسوة في تاريخ الحركة الكردية، فقد اضطر الزعيم الى الانسحاب مرة اخرى الى ايران، بينما تعرضت مناطق كردية واسعة لحملات عسكرية قاسية، كانت تقضي على الناس والزرع والضرع، وقد ادرك الزعيم  في تلك المرحلة مدى هشاشة الاعتماد على التحالفات الخارجية عندما تتغير المصالح الدولية.

ورغم هذه النكسة الكبيرة، فإن تجربة بارزاني  تركت اثرا عميقا في الوعي السياسي الكردي، فقد تمكن خلال عقود من النضال من تحويل الحركة الكردية من تمردات محلية متفرقة الى حركة سياسية منظمة تمتلك حزبا وقوة عسكرية وخطابا سياسيا واضحا، وقد كان تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1946 احد اهم الانجازات المؤسسية في مسيرته.

مثل تاسيسه للبيشمركة، ولم يكن هذا الحزب مجرد تنظيم سياسي بالمعنى التقليدي، بل تحول في عهد الزعيم الى اطار جامع للحركة القومية الكردية في كردستان ، يجمع بين العمل العسكري والتنظيم السياسي، ويمنح الحركة الكردية شكلا مؤسسيا مكنها لاحقا من الاستمرار حتى بعد غياب مؤسسها.

في السنوات الاخيرة من حياته عاش الزعيم في المنفى بعد انهيار الثورة، وكان يتابع من بعيد تطورات القضية الكردية التي كرّس حياته لها، وقد توفي عام 1979، تاركا وراءه ارثا سياسيا معقدا يجمع بين النجاحات والاخفاقات، لكنه ارث لا يمكن فهم تاريخ كردستان العراق المعاصر من دونه.

ان تقييم  المؤرخ لشخصية الزعيم مصطفى بارزاني  رحمه الله تعالى، يتطلب قدرا من التوازن التاريخي، فالرجل كان قائدا تاريخيا كاريزميا استطاع توحيد شرائح واسعة من المجتمع الكردي خلف مشروع سياسي واضح، كما انه في الوقت نفسه كان يتحرك في بيئة سياسية معقدة فرضت عليه تحالفات صعبة وقرارات اصعب، ومع ذلك فإن تأثيره في التاريخ الكردي المعاصر يظل عميقا كل العمق.

لقد ساهمت تجربته الطويلة في ترسيخ فكرة ان القضية الكردية ليست  تمردا مسلحا، بل قضية سياسية تتعلق بالهوية والحقوق والمشاركة في السلطة، وهو ادراك سيتحول لاحقا الى اساس للحكم الفدرالي الذي تشكل في كردستان العراق بعد عقود من وفاته.

وهكذا فإن الزعيم مصطفى بارزاني يمكن اعتباره احد ابرز الشخصيات التي صنعت تاريخ الشرق الاوسط في القرن العشرين، ليس فقط بسبب قيادته للثورات الكردية، بل بسبب قدرته على تحويل حركة احتجاج  الى قضية سياسية اقليمية معروفة، ولذلك يبقى اسمه حاضرا في الذاكرة التاريخية للكرد بوصفه رمزا للنضال القومي وزعيما شكل مرحلة كاملة من تاريخهم الحديث.

::::

::::

*من كتابي:" الزعيم مصطفى بارزاني"

وهو نسخة منقحة من اطروحتي للدكتوراه عنه.